البطولة بمعانيها الصحيحة كانت تتمثل في رجال الاجيال السابقة.. يصنعون السفن، ويبحرون بها مع الرياح واهوال البحر، ويصعدون بها أعلى البحار، ورياح وعواصف وجبال رهيبة من الامواج، وظلمات من فوقها ظلمات، رواية رائعة، مستلهمة من احداث حقيقية لبحارة كويتيين في الهند الغربية عام 1938 رواية حازت جائزة الابداع العربي على مستوى الوطن العربي سنة 2006 في عاصمة الثقافة والعلوم التي يقودها بجدارة سمو حاكم الشارقة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي كان القطار يشق سكون الليل المقمر.. مخلفا وراءه عمودا من البخار، يخترق حقول الارز الشاسعة بين القرى الهندية، متوجها الى ميناء كراتشي البحري. البحارة الكويتيون مترامون على الكراسي الخشبية في القاطرة الوسطى متعبين بعد رحلتهم البحرية البائسة. كان الجميع مستسلما للنوم ومتجاوبا مع اهتزاز القطار، وحركته المزعجة.. الا ان النوم لم يجد طريقا الى عيني البحار بدر وهو يقاوم اهتزاز القطار الخشبي.. رفع عن عينيه طرف غطاء رأسه، نظر حوله حيث الجميع يغطون في نوم عميق، نظر من خلال النافذة متأملا ضوء القمر المتساقط على المسطحات المائية عاكسا صورته على عينيه الوادعتين. الزمن قد ارتسم على تذكرة السفر في القطار بذاكرته مارس 1938.. قبيل الحرب العالمية الثانية. التفت خلسة نحو الجهة اليمنى حيث يجلس النوخذة قبطان السفينة المنكوبة صامتا يحمل كل الاحزان، ويفكر كيف تغلب عليه البحر وحطم سيفنته.. البحر الذي ينسف الجبال ويحطم المدن ويشرد الناس وهم على اليابسة، ما بال سفينة شراعية خشبية يغتالها البحر؟.. النوخذة يرى ذلك هزيمة لكبريائه وفشله امام المجتمع.. *** الكارثة: يعود مشهد الرواية إلى عاصفة بحرية عاتية هي (سونامي) في عرض البحر يسميها البحارة الموجة (القلابة) شاهقة الارتفاع فيها ظلمات سمعوا هديرها قبل اقترابها، وأدركت الخيول المحمولة خطرها فارتفع صهيلها وفزعت تحاول الفرار من حواجزها الخشبية على السطحة.. النوخذة يأمر بإخلاء السفينة من الخيول ورميها في البحر، ولما دنت الموجة الكبيرة للسونامي الرهيب امر بإنزال قاربي النجاة.. ثم امر البحارة بترك السفينة بدل ان تتحطم أخشابها عليهم وتغطيهم (القلابة) ثم تهوي بهم الى قاع البحر.. اذا كانت مذكرات بحار للشاعر محمد الفايز قد جسمت مشاهد أهوال البحر شعراً، وصراع البحارة المرير مع مخاطر البحر، فإن (الطريق الى كراتشي) للاستاذ هيثم بودي هي اول رواية تصعد الى اعالي البحار، وتصور كفاح الرجال البطولي امام طوقان رهيب، والسفينة الخشبية الشراعية كعلبة الكبريت الصغيرة الطافية.. النوخذة ليس بالرجل الغر الضعيف بل هو نوخذة معلم يجيد قراءة الخرائط ويقيس الاتجاهات، وسرعة الرياح وخبرة عشرين عاما في البحار وقوة الطوفان.. ويسلم امره لله تعالى واقداره، فيأمر بمواجهة الاخطار فيقذف بضاعته المحمولة 20 جواداً عربيا أصيلاً ثم يأمر بمغادرة السفينة قبل ان يبتلعها الطوفان. رواية تعجز الامكانات الفنية في البلاد عن تصويرها فيلماً او مسلسلات إنها تحتاج الى إمكانات عالمية لاخراجها في مستوي فليم امريكي على غرار المصارع البحرية، وقد يزرى العمل المحلي بها، ولا يرقي الى مستواها، انها بحاجة الى وقفة رسمية اعلامية من الدولة ليخرج هذا العمل في فيلم عالمي تشارك فيه مؤسسات دولية للعمل السينمائئ. ان قراءتي للرواية جعلتني اعيش خيال الطوفان وصراع النوخذة وبحارته الأبطال، وقدرة الاجيال الماضية في ركوب أعالى البحار، لتصدير منتجات العراق وأحمال دول اخرى لقاء اجور زهيدة ذلك الوقت لمقاومة الحياة القاسية التي أنقذت البلاد من مجاعات قد أحاطت ببلاد مجاورة. الرجولة والإقدام أمام أهوال البحار جعلت الكويت البلد الصغير يسوق كل المحاصيل الزراعية للعراق ويذهب بها الى شرق افريقيا وجزر الهند والهند الكبرى». انقلبت السفينة عاليها على سافلها فذهب بها الطوفان الى أعماق المحيط ثم أعادها الهواء المحتبس بها، وابتعد البحارة عن الاقتراب منها لكي لا تحطمهم حتى طفت محدثة فيضانا عاتيا وتعالت اصوات انكسارات ألواحها ثم انشطرت الى نصفين تاركة ألواحا يتشبث بها بقية البحارة الناجين. هدأت العاصفة واستوى الناجون على الألواح المكسرة، هنا تفقد بعضهم بعضا ليجدوا أن المفقودين هم 14 بحارا و20 من الجياد.. وأموالا محمولة.. وسفينة عملاقة من نوع «سفار».. نفذت كميات التمر القليلة التي قذفوا بها الى قارب النجاة.. وثلاثة ايام يصارعون بها بحر المحيط دهمهم الجوع والعطش ولا مفر من الموت اما غرقا او من ابتلاع هيم البحر. وفجأة تقترب سفينة تجارية بجانب السفينة المحطمة واحياء يصارعون الموت منهارة قواهم اشبه بأجساد ميتة طافية فيها بقايا رمق، تم انتشالهم كالجثث الهالكة، ومنهم من فقد الوعي مجرد ان رأى رحمة الله في إنقاذهم.. اطراف كانت مهشمة واضلاع مكسرة ضاعت آلامها عند الخطر الاكبر وظهرت الآن عند الإنقاذ والإسعاف. وانقطعت رحلة كراتشي بالطوفان لتأخذ الباخرة المنكوبين الى اتجاه معاكس الى شمال الهند الى ميناء «بورندر» ليعود بهم القطار الى كراتشي بعد علاجهم في المحجر الصحي.. وتطايرت البرقيات عن الحادثة وفي محطة كراتشي استقبلهم تاجر كويتي وبعض المقيمين هناك.. واجه النوخذة والبحارة ديموقراطية الهند في محكمة حضرها رموز من القضاء والامن والتأمين والترجمة والمحامين واستحكموا بخرائط النوخذة وشهد التحقيق ببطولة النخوذة الذي عمل عشرين عاما كربان للسفن. وحكمت المحكمة بتعويض مالك السفينة المسجلة في الكويت السيد خليفة بن سعد كما هو مبين بالاوراق الرسمية المرفقة.. هذا هو عدل الديموقراطية الهندية التي مازالت قائمة حتى اليوم.. وتنتهي رائعة هيثم بودي «الطريق الى كراتشي».. فتحية وتقدير له على هذا الابداع.