
الوباء في مرآة الروائيّين...
رعب يجتاح مخيلة الغربيّين والعرب!
القاهرة - محمد الصادق
انطلقت أنفلونزا الخنازير من المكسيك، وحملت الموت والخوف إلى الجميع. ألم ينشغل الأدباء بها، وهل دار بعض الأعمال حول الأوبئة والكوارث؟ ماذا عن الأدباء العرب، هل يشغلهم ما هو أهم من مشكلات اقتصادية واجتماعية وسياسية ضاغطة.
أحد أشهر الأعمال الأدبية التي تناولت الأوبئة والكوارث «الطاعون» لأبير كامو و{العمى» لسراماغو و{الحب في زمن الكوليرا» لغارسيا ماركيز. بالنسبة إلى الأدباء العرب تبرز روايات «الدروازة في زمن الطاعون» للأديب الكويتي هيثم بودي و{الحرافيش» لنجيب محفوظ و{براري الحمى» لإبراهيم نصر الله و{السائرون نياما» لسعد مكاوي، إضافة إلى أعمال أخرى تناولت موضوع الأوبئة على هامش أحداثها.
حول اهتمام الأدباء العرب بتناول الأوبئة والحروب والكوارث في أعمالهم، استنكر الناقد الأدبي الدكتور عبد المنعم تليمة عدم التفاتهم إلى أنفلونزا الخنازير مثلاً، مشدداً على ضرورة تطرقهم إلى هذه المواضيع ورؤيتها بزوايا إبداعية، وقال: «لم يعد تناولها ترفاً في عالم تتداخل فيه الأشياء».
وأشار تليمة إلى أن الأعمال الكبرى أبرزت الجانب الإنساني الذي يترافق مع انتشار وباء ما أو كارثة، ما أعطاها عالميتها حتى وإن اقتصر الوباء على منطقة بعينها، فالحقيقة ألا أحد ينجو اليوم من أزمات بيئية وكوارث تطاول بلداً بعينه، ولا بد لأدبائنا من الانتباه إلى هذا الأمر كي لا نكرر قول المتنبي حين أصابته الحُمّى، فراح يخاطبها:
أبنتَ الدهرِ عندي كلُّ بنت
فكيف نجوتِ أنتِ من الزحام؟!
بدوره، قال الأديب والناقد إدوارد الخراط إن الأوبئة التي عصفت بالعالم منذ عقدين لم تعثر بعد على روائيين من طراز ألبير كامو الذي كتب عن الطاعون، وماركيز الذي كتب عن الحب في زمن الكوليرا، لأن الناس مشغولون بمقاومة أوبئة أخرى كالفقر والفساد.
أضاف الخراط: «حتى «الطاعون» لم تكن في حقيقتها عن الفئران رغم أنها تعج بالميتة منها على أدراج المنازل وفي الأزقة، وما تسبّب بالوباء ليس الفأر بل الإنسان الذي لم يعد يرى أبعد من أنفه، فالأوبئة والكوارث تعيد ترتيب الأجندات والأولويات، لأنها ترتبط بحياة الناس وأهم من أي شيء آخر».
«الطاعون» التي فاز عنها كامو بجائزة «نوبل» تدور أحداثها في وهران الجزائرية، مدينة الغبار والقيظ والحصى، حيث حصد الطاعون أرواحاً كثيرة. والبطل الدكتور ريو كان «يعرف ما لا تعرفه هذه الجماهير المبتهجة، والتي كان في إمكانها أن تتعلم ذلك من الكتب، وهو أن جرثومة الطاعون لا تموت أو تختفي إلى الأبد، وإنما تنام لتظهر مجدداً».
مُنح كامو جائزة نوبل للآداب عام 1957 في عمر الـ 44، ولا تزال كتبه تتقدّم الكتب الأخرى في الرواج. عاش الروائي غريباً في كل مكان، ولد فرنسياً في الجزائر (لأب فرنسي وأم إسبانية)، ومات جزائرياً في باريس.
أصيب بداء السل وهو في الـ 17 في العام نفسه (1930) الذي كان الفرنسيون يحتفلون فيه بالذكرى المئوية لاحتلالهم الجزائر والذي استمر 132 عاماً (1830 - 1962)، ما جعل الروائي يوجه اهتمامه نحو الأدب والكتابة.
كتابه الأول «الوجه والقفا» عبارة عن كتابات قصصية قصيرة ذات طابع وجداني، وتميّز «أعراس» إصداره الثاني بالطابع نفسه. بعد صدور «الغريب» عام 1942 بدأ اسم كامو يلمع على المستوى الأدبي، ثم توالت مؤلفاته تباعاً فنشر «أسطورة سيزيف، الخطأ، كاليغولا، الطاعون، حالة حصار، العادلون، والإنسان المتمرد».
في سياق متصل، يذكر الناقد د. محمد بدوي أن الأوبئة حقيقة تتلبّس المجتمع ولم تعد من الأمور البعيدة عن مجالات الكتابة الأدبية، وأن الأعمال البارزة تتكئ على الحس الإنساني العام. يتأكد كلام بدوي بالحديث عن رواية «العمى» لخوسيه سراماغو، وفيها تنتشر جرثومة معدية غامضة ومدمرة تسبب العمى في مدينة تفقد توازنها شيئاً فشيئاً.
تصوّر الرواية رعب الوجود، وتخبط الإنسان في الكون، وتطرح تساؤلات حول حقيقة الوباء. في اللائحة نفسها تأتي رواية «وقائع حارة الزعفراني» لجمال الغيطاني، حيث يتفشّى العجز الجنسي نتيجة «رقية» سحرية من صنع شيخ منزو في حجرة صغيرة... من تلك الحجرة يخرج الوباء مهدداً العالم كله، فتفقد الحياة معناها لأنها نظام متكامل إن ضاع منه أي جزء أصابه الخلل، أو ربما العطب.
والغيطاني في روايته هذه كساراماغو في «العمى» وألبير كامو في «الطاعون»، يشرّح الوجود الإنساني عبر وباء ضار يجتاح مدينة، فينزع عن الواقع التاريخي قشرته، ويكشف عريه وهشاشته.
جرثومة الطاعون التي لا تموت لدى كامو تظهر لدى سعد مكاوي في روايته «السائرون نياما»، حيث يستدعي المؤلف زمن المماليك وانتشار الأوبئة والأمراض وظهور الفئران، فيسود منطق عجيب للزمن وهو ما تستشعره شخصيات القاع المعذبة بأصفادها، فالصبي يوسف نجار النعوش الذي تبدأ به الرواية، يدهشنا حين يقول: «زمن يروح وزمن يجيء.. وسبحان من له الدوام»، ويتذكر: «ما أبعد ذلك الزمن! ناس غير الناس ودنيا غير الدنيا... كأنها ثلاثمئة سنة لا ثلاثون. وأمم تزول والهمّ ما يزول».
وتعلّق «محسنة» مترحِّمة على كل الأحبة الذين خطفهم الزمن: «إنه الطاعون الذي نظن أنه انتهى، مات وشبع موتًا»، لكننا نكتشف أن «الطاعون لا يموت، إنه يختفي حقًا، ويلبد في خبث، إلى أن تحين له فرصته، فإذا الفئران راقصة، وإذا الوباء في الناس».
أحد أبرز الأعمال التي تناولت الأوبئة أيضاً رواية «الدروازة في زمن الطاعون» للأديب الكويتي هيثم بودي التي تم تحويلها إلى مسلسل تلفزيوني بعنوان «الدروازة».
في الرواية تتوقف طبيبة الطب الجنائي د. أمل عن مهمتها المكلفة بها عند الحدود الكويتية الشمالية لتسليم رفات الشهداء الأسرى الكويتيين، لتنتقل إلى منطقة شرق القديمة تتفحص قبراً جماعياً عثر عليه مصادفة أثناء حفريات لمبان. أخذت تتفحص العظام وتسجل بمسجلتها الصوتية أنهم قد يكونون من ضحايا الطاعون في تلك الأيام... وتبدأ البحث عن تاريخ تلك الفترة وهي تخفي سراً في قلبها لأيام عصيبة شهدتها أيام الغزو.
أمّا رواية «براري الحمى» لإبراهيم نصر الله فتدور أحداثها في الصحراء، تحديداً في القنفذة في سبت شمران، حيث «الجهات كلها تدل إلى ثُريبان» في «ظل المكان المقيد» و{السيول تداهم الكائنات وسفوح الجبال» فيما البيوت نوافذها عالية دائماً «كنوافذ السجن» ، و{البر الواسع الضيق المتخم بالنفط والسلّ. فلا «مكان هنا لغير الحمى». والبحر بعيد. فالقنفذة وحدها كانت بجبالها الجرداء، وجلدها الحجري المتشقق تستلقي جثة متفسخة، أغارت عليها الذئاب والثعالب والضباع ونهشتها الأفاعي والليالي القاسية.
الكاتب :
مدير الموقع